الشوكاني
431
فتح القدير
أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا كائنين على سواء في الإعلام لم أخص به بعضكم دون بعض كقوله سبحانه - وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء - أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضا سويت بينهم فيه . وقال الزجاج : المعنى أعلمتكم ما يوحى إلى علي استواء في العلم به ، ولا أظهر لأحد شيئا كتمته على غيره ( وإن أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون ) أي ما أدرى أما توعدون به قريب حصوله أم بعيد ، وهو غلبة الإسلام وأهله على الكفر وأهله . وقيل المراد بما توعدون القيامة ، وقيل آذنتكم بالحرب ولكن لا أدرى ما يؤذن لي في محاربتكم ( إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون ) أي يعلم سبحانه ما تجاهرون به من الكفر والطعن على الإسلام وأهله وما تكتمونه من ذلك وتخفونه ( وإن أدرى لعله فتنة لكم ) أي ما أدرى لعل الإمهال فتنة لكم واختبار ليرى كيف صنعكم ( ومتاع إلى حين ) أي وتمتيع إلى وقت مقدر تقتضيه حكمته . ثم حكى سبحانه وتعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بقول ( قال رب احكم بالحق ) أي احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين بما هو الحق عندك ففوض الأمر إليه سبحانه . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وابن محيصن " رب " بضم الباء . قال النحاس : وهذا لحن عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل حتى يقول يا رجل . وقرأ الضحاك وطلحة ويعقوب " أحكم " بقطع الهمزة وفتح الكاف وضم الميم : أي قال محمد ربى أحكم بالحق من كل حاكم . وقرأ الجحدري " أحكم " بصيغة الماضي : أي أحكم الأمور بالحق . وقرئ قل بصيغة الأمر : أي قل يا محمد . قال أبو عبيدة : الصفة هنا أقيمت مقام الموصوف ، والتقدير : رب الحكم بحكمك الحق ، ورب في موضع نصب ، لأنه منادى مضاف إلى الضمير ، وقد استجاب سبحانه دعاء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فعذبهم ببدر ، ثم جعل العاقبة والغلبة والنصر لعباده المؤمنين والحمد لله رب العالمين . ثم قال سبحانه متمما لتلك الحكاية ( وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ) من الكفر والتكذيب ، فربنا مبتدأ وخبره الرحمن : أي هو كثير الرحمة لعباده ، والمستعان خبر آخر : أي المستعان به في الأمور التي من جملتها ما تصفونه من أن الشوكة تكون لكم ، ومن قولكم - هل هذا إلا بشر مثلكم - وقولكم - اتخذ الرحمن ولدا - وكثيرا ما يستعمل الوصف في كتاب الله بمعنى الكذب كقوله - ولكم الويل مما تصفون - ، وقوله - سنجزيهم وصفهم - وقرأ المفضل والسلمي " على ما يصفون " بالياء التحتية . وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب . وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه ، وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال : لما نزلت ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) قال المشركون : فالملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله ، فنزلت ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) عيسى وعزير والملائكة . وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عنه قال : جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) قال ابن الزبعرى : قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا ، فنزلت - ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون - ثم نزلت ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) . وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والطبراني من وجه آخر عنه أيضا نحوه بأطول منه . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) قال : عيسى وعزير والملائكة وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله ( حصب جهنم ) قال : شجر جهنم ، وفى إسناده العوفي . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه من وجه آخر أن ( حصب جهنم ) وقودها . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا